السيد محمدمهدي بحر العلوم
232
مصابيح الأحكام
حيث أنّها شرط للعبادة لا يكون إلّا بعد دخول وقت العبادة المشروطة بها ، فإنّهم لمّا حاولوا المحافظة على اعتبار ذلك مطلقاً أشكل عليهم الأمر في الغسل الواجب للصوم ، لامتناع وجوبه بعد دخول الوقت ، واستلزامه تأخّر الغسل عن الصوم ، فاختلفوا في التفصّي عنه على وجوه صارت أقوالًا : منها : القول بالوجوب النفسي ، وقد عرفت أنّه لا يشفي عليلًا ، ولا يروي غليلًا . ومنها : تنزيل آخر الوقت هنا منزلة دخول الوقت في غيره . وهو في الحقيقة هدم لذلك المبنى ، وبناء الحكم على الشيء وضدّه . ومنها : صرف وجوب الغسل للصوم عن ظاهره ، وجعل الغاية توطين النفس على إدراك الفجر طاهراً . وهو الذي اعتمده شيخنا البهائي رحمه الله في حبله « 1 » . وفيه : أنّ وجوب التوطين على إدراك الفجر طاهراً فرع وجوب الغسل قبل الوقت ، فإن صحّ فلا حاجة إلى غيره ، وإلّا لم يجب التوطين ، فلا يمكن جعله غاية . ولقد أغرب الشيخ الفاضل ابن إدريس رحمه الله ، حيث انتحى مسلكاً آخر في هذا المطلب ، فنفى وجوب الغسل قبل الوقت مطلقاً ، مع اعترافه بتوقّف الصوم عليه وتصريحه بأنّ ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب . فإنّه بعد ما أثبت وجوب غسل الجنابة لغيره أورد على نفسه النقض بالغسل للصوم ، وقال : « وقد بقي سؤال ( في أدلّتك عاطل ، فإن حلّيته بجواهر البيان فالرجوع إلى الحقّ خيرٌ من التمادي في الباطل ، وهو أنّه ) « 2 » إذا كان غسل الجنابة لا يجب إلّا عند دخول وقت الصلاة - على
--> ( 1 ) . لم نجده عليه في الحبل المتين ، بل وجدناه في مشرق الشمسين : 213 ، حيث قال فيه : « وأمّا وجوب غسل الجنابة قبل الفجر للصوم ، فلوجوب توطين النفس على إدراك الفجر طاهراً ، فالغاية واجبة » . ولعلّ منشأ الاشتباه في نسبة المؤلف إلى الحبل المتين ، حكاية هذا القول في الحدائق الناضرة 3 : 59 ، ونسبته إلى هذا الكتاب ، والظاهر أنّ المؤلّف أيضاً أخذ منه واعتمد عليه . ( 2 ) . ما بين القوسين لم يرد في السرائر ، والظاهر أنّه نقله عن رسالته .